الأربعاء، 7 نوفمبر 2018

الألم ( بقلم :هاني بن عبد الرحمن)

الألم
_____

عشت مع أبي و أمي في قصرنا الذي كان يقع في أرقي احياء المدينة فكان  أبي احد اثري رجال الأعمال بالبلاد وكانت أمي تحب ابي كثيراً كما هو حاله منذ ان كانا زميلين بالكلية و كنت أنا أسعد طفل علي وجهه البسيطه فقد أنعم الله علينا بالمال و الحب و الأستقرار و الدفئ الأسري الي ان اتت الرياح بما لم تشتهيه السفن

كان حينا هادئ الي حد بعيد رغم انه لا يوجد به منزل غير مأهول عدا بيت يأُم شارعنا كان الوحيد الذي لم يسكنه احد منذ ان رأيناه و يقال انه لم يقربهُ احد منذ زمن بعيد و سمعنا عنه الاساطير و الحكايات المرعبة التي كانت امي دائماً ما تحاول ان تبعدني عن سماع ذلك و تقنعني بأنها تخاريف و حواديت الفتها نساء مسنات حول مدفئة في ليالي الشتاء العاصفة

لم تثمر جهود أمي نفعاً و صرت متأثر بتلك القصص المرعبة حتي انني كنت أري في منامي الكوابيس المزعجة يومياً تقريباً و كان كل من في البيت يصحو علي صراخي فزعاً من أحلامي
و كان  يراودني كابوس بان سيدة  شديدة سواد العين و الحاجبين و ذات شعر كثيف تجره خلفها ترتدي ثياب أسود اللون كانت تحاول خنقي فاتحة فمها الكبير مظهرة انياب تكاد تكون لحيوان مفترس و ليس لأنسان

أصطحبني أبي الي طبيب نفسي و صار يباشر علاجي لفترة حتي شعرت بالتحسن كثيراً و أقتنعت ان كل ما حُكي لي من قصص مرعبة عن هذا البيت كانت مجرد أساطير و خرافات الي ان حدث ما جعلني أحيد عن رأيي و أكد انها ليست مجرد أوهام أو خرافات

أصبحت ابن السادسة من عمري و أصطحبتي أمي الي مدرستي الجديدة التي كانت قريبة من منزلنا كثيراً و خلال ذهابنا الي المدرسة قابلت أمي سيدة فزعت جداً أول ما رأيتها و أخذت تبادل أمي الأحضان و القبلات و أنا أجذب أمي من ثيابها محاولاً ان أبتعد بها عن تلك السيدة
فتعجبت أمي بشدة من تصرفي هذا فلم أكن أتجنب الناس أو أخاف منهم فحاولت تلك السيدة ان تهدئ من روعي و أقتربت مني و هي مبتسمه فصرخت بأعلي صوت لي و جذبت أمي بشدة حتي كدت ان اسقطها علي الأرض فنهرتني أمي لتصرفي هذا و تأسفت لتلك السيدة و مضت بي الي وجهتنا

خلال طريقنا الي المدرسة كانت امي تسألني ماذا حدث لي؟ّ! و لما فعلت ذلك؟! و أنا لا أستطيع ان اتفوهه بكلمة من شدة خوفي و لا أفعل شئ سوي البكاء و كل ما أستطعت قوله ان طلبت من أمي ان تعيدني الي المنزل لتبدأ رحلتي مع الشقاء و المعاناة

عُدنا الي المنزل و أول شئ فعلته أني أفلت بيد أمي و ذهبت مسرعاً الي غرفتي و صعدت الي السرير و سحبت الغطاء الي وجهي و صرت أرتعش تحت الغطاء فلحقت بي أمي و جلست الي سريري و هي في شدة الخوف و القلق علي و قامت بسحب الغطاء عن وجهي
وسئلتني : ماذا بك يا حبيبي ؟
فقلت لها بصوت مرتعش باكي : انها هي يا أمي
قالت : من هي؟!
قلت : السيدة التي قابلتيه اليوم هي ..هي يا أمي
قالت : هي من ؟ انا لا افهم
قلت لها : هي المرأة التي كنت اراها في المنام تريد ان تقتلني
فقالت لي: لا تخف يا حبيبي انها صديقتي وكانت زمياتي في الجامعة
فصرخت : انها هي صدقيني يا أمي انها سوف تقتلني صدقيني صدقيني
فأخذتني بين أحضانها و حاولت ان تطمئني و تهدئ من روعي الي ان ذهبت في نوم عميق

جائتني السيدة في المنام و هي تنهرني و تضربني بالسوط لأني قد وشيت بها و أخبرت أمي عنها و تواعدتني بأني اذا تكلمت عنها لأمي مرة أخري بسوء سوف تقتلني انا و أمي فقمت من النوم فزع لأجد الطبيب الي جواري بصحبة أبي و أمي ثم قام بحقني بمهدأ أعادني الي نومي مرة أخري..

لم يختلف الحال كثيراً تلك المرة فلقد روادتني الكوابيس المزعجة ثانية المرة تلو الأخري حتي انني تخلفت عن مدرستي و انا في أول الطريق و سئمت من الحياة و فكرت مراراً رغم صغر سني ان اتخلص من حياتي

ثم ضلني تفكيري الي ان اقترح علي ابي ان نترك هذا المنزل و نرحل الا ان ابي كان لديه رأي آخر كان من وجهة نظره ان الحل لن يكون بتركي هذا البيت و انتقل الي آخر و انما كان علاجي في ان نبقي

ثم في يوم و ذات نهار مشرق أقترح علي ابي ان أخرج معه بصحبة أمي الي التنزهه و ان اغير جو المنزل فلم اتركه منذ شهور عدة و بالفعل خرجنا و لكن ابي لم يتجهه نحو سيارته و مشي بنا الي ناصية الشارع الذي نقطن فيه الي ان وصلنا لذلك البيت المهجور و وقفنا علي بابه

بدأت أرتجف بشدة من الخوف و هممت ان أجري مسرعاً بعيداً عن ذلك المنزل الا ان ابي أمسك بيدي بقوة و طلب مني الا أخاف مهما حدث و ان أطمئن و أنا في جواره  و نظرت الي أمي و ابتسمت ثم حولت ناظريها الي أبي و هي تبتسم و هزت رأسها و كأنها تقول لأبي أحسنت صنعاً و علي خلافي فهمت ما قصده من ذلك

دق ابي جرس الباب ففتحت لنا الخادمة فأخبرتها امي انها تريد ان تقابل صاحبة المنزل و في عضون لحظات مرت علي كساعات انتظار اتت صاحبة المنزل و اذ بي اري تلك السيدة زميلة امي و صديقتها فهي من سكن حديثاً في ذلك المنزل علي الفور بدأت في جذب يدي ابي بقوة حتي نرحل و لكنه أصر علي الدخول و ذكرني بأتفاقه معي الا اخاف مهما حدث

سلمت علينا صاحبة المنزل المرعب و قبلتني ثم ادخلتنا الي منزلها و بعد قليل اتي زوجها و رحب بنا ايما ترحيب و احسنا استقبالنا و عرفوني الي ابنهما الصغير الذي كان تقريباً في نفس عمري و كان هذا اول لقاء لي بصديق عمري

تكررت زيارتي لمنزل صديقي وصار اكثر منزل احببه بعد منزلنا و بعدما سرت شاباً و نضج عقلي و كلما ذهبت الي صديقي او مررت بمنزله  انظر الي ذلك المنزل و اضحك علي نفسي.  

#عندما تغيب البصيرة عن العقول الصغيرة و القلوب الضعيفة فمن السهل جداً السيطرة عليها بأعلام أو اشاعات و أخبار كاذبة فليس كل ما تقرأه أو تسمعه يكون صحيحاً بل و ربما ما تراه بعينك ليس كما صورته لك فلكل مشهد عدة أوجهه فعليك ان تنظر اليه بعين العقل و القلب معاً و لا تسلم نفسك لما يقوله أو يؤمن به غيرك فالجهل أخطر الأمراض و أكثرها شقاء و ألم على الإنسان و ايضاً لا تدع هواك يعميك عن الحقيقة التي ربما تكون أوضح من الشمس في كبد النهار.

بقلم هاني بن عبدالرحمن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق